عائد إلى حيفا - الجزء الرابع-
كتبهاعربية ، في 5 نوفمبر 2008 الساعة: 13:32 م
لقد وصل ( افرات كوشن ) إلى حيفا ، برعاية الوكالة اليهودية ، قادماً إليها مع زوجته من ميناء ( ميلانو ) الإيطالي في وقت مبكر من شهر آذار . كان قد غادروارسو مع قافلة صغيرة في أوائل تشرين الثاني من عام 1947 ، وأسكن في منزل مؤقت يقعفي ضواحي ذلك المرفأ الإيطالي الذي كان آنذاك يضج بحركة غير عادية ، وفي أوائل آذارنقل بحراً مع عدد من الرجال والنساء إلى حيفا .
كانت أوراقه معدة تماماً ،وحملته شاحنة صغيرة مع أشيائه القليلة عبر الميناء الصاخب ، المليء بالجنودالبريطانيين والعمال العرب والبضائع ، عبر شوارع حيفا المتوترة ، والتي كانت تدويفيها طلقات نارية متقطعة بين الفينة والأخرى ، إلى الهادار ، حيث أسكن في غرفةصغيرة من بناء مزدحم بالسكان .
وتبين ل ( أفرات كوشن ) بعد فترة ، أن جميعالغرف في البناء يشغلها مهاجرون جدد ، ينتظرون هناك نقلهم إلى أمكنة أخرى فيما بعد، وليس يدري إن كانوا قد أطلقوا عليه اسم ( نزل المهاجرين ) وهم يلتقون كل ليلةلتناول العشاء ، أم أن ذلك الاسم كان معروفاً قبلهم ، وأنهم استعملوه فقط .
وربما كان قد نظر عدة مرات ، من شرفته إلى ( الحليصة )، إلا أنه لم يكن يعرف على الإطلاق ، أو حتى يخمن ، أنه سيجري إسكان هناك . وفي الواقع فإنه كانيعتقد أنه حينما تسوى الأمور فسينقل إلى بيت ريفي هادئ على سفح تله ما في الجليل : كان قد قرأ قصة ( لصوص في الليل ) لآرثر كوستلر حين كان في ميلان ، أعاره إياها رجل قادم من بريطانيا ليشرف على عملية التهجير ، وعاش فترة من الزمن في تلك التلال الجليلة التي جعلها ( كوستلر ) مسرحاً لروايته . وفي الحقيقة فإنه لم يكن ليعرف الكثير آنذاك عن فلسطين . وبالنسبة له كانت مجرد مسرح ملائم لأسطورة قديمة ، مايزال يحتفظ بنفس الديكور الذي كان يراه مرسوماً في الكتب الدينية المسيحية الملونة المخصصة لقراءة الأطفال في أوروبا. إلا أنه بالطبع لم يكن يصدق تماماً أن تلك الأرضكانت مجرد صحراء أعادت الوكالة اليهودية اكتشافها بعد ألفي سنة . ومع ذلك فلم يكن هذا هو أكثر ما كان يهمه آنذاك ، وقد وضع في ذلك النزل ،وكان هناك شيء اسمه الإنتظار ، وقد اعتنقه هماً يومياً مثلما فعل بقية أولئك الذين كانوا معه .
وربما لأنه سمع أصوات الرصاص منذ أن خرج من ميناء حيفا في نهاية أول أسبوع من آذار 1948 ، فإنه لم يفكر كثيراً في أن شيئاً مرعباً كان يحدث آنذاك ، وهو - علىكل حال - لم يقابل شخصاً عربياً في حياته كلها ، بل إنه صادف أول عربي في حيفا نفسها بعد إحتلالها بحوالي عام ونصف العام . وقد جعله ذلك الأمر يحتفظ طوال الأيامالحرجة بصورة فريدة وغامضة عما كان يجري حقاً . صورة أسطورية جاءت ملائمة تماماًلما كان يتصوره في وارسو وفي ميلان طوال 25 سنة من عمره ، ولذلك كانت المعارك التي يسمع أصواتها ثم يقرأ أخبارها في بالستاين بوست كل صباح ، إنما تجري بين بشر وبين أشباح ، ليس إلا .
أين كان بالضبط يوم الأربعاء 21 نيسان 1948 ، في الوقت الذي كان سعيد س. ضائعاً بين شارع اللنبي و حارة حلول وكانت زوجته صفية تندفع من الحليصة نزولاً على حافة المركز التجاري باتجاه شارع ستانتون ؟.
لم يعد من الممكن الآن تذكر الأمر تماماً ، بتفاصيله ، ومع ذلك فإنه يذكرأن الهجوم الذي بدأ صباح الأربعاء ظل مستمراً حتى ليل الخميس ، وصباح الجمعة فقط ، 23 نيسان 1948 ، تأكد تماماً أن الأمر في حيفا قد انتهى ، وأن الهاغانا سيطرت علىالموقف كلياً . وهو لم يعرف بالضبط ماذا حدث على وجه الدقة : لقد بدا القصف من الهادار ، وتكومت التفاصيل لديه من الراديو ومن أخبار القادمين بين الفينة والأخرىممتزجة بصورة تستعصي على الاستيعاب . إلا أنه كان يعلم أن الهجوم الشامل الذي بدأصباح الأربعاء قد انطلق من ثلاثة مراكز وأن الكولونيل موشيه كارماتيل كان يضع يده في تلك اللحظة على ثلاث كتائب يحركها من هادار هاكرمل ومنالمركز التجاري ، وأن واحدة من هذه الكتائب كان عليها أن تكتسح الحليصة ، فالجسر ، فوادي رشميا نحوالمرفأ . في حين تضغط كتيبة أخرى من المركز التجاري لحصر الهاربين في ممر ضيق ينتهيإلى البحر . ولم يكن ايفرات يعرف على وجه التحديد مواقع هذه الأمكنة التي حفظأسماءها من فرط التكرار . وقد كان ثمة ارتباط ما بين كلمة ارغون وكلمة واديالنسناس، مما جعله يفهم أن العصابة تلك كانت مكلفة بالهجوم هناك .
ولم يكن أفرات كوشن بحاجة إلى من يؤكد له أن الإنجليز مهتمون بتسليم حيفا للهاغاناه ،فقد كان بوسعه معرفة أنهم كانوا وما زالوا يقومون بدوريات مشتركة ، وقد رأى ذلك بنفسه مرتين أو ثلاث مرات . ولا يذكر الآن كيف حصل على معلوماته عن دور البريجاديرستوكويل ، ألا أن ذلك بالنسبة له كان مؤكدا ، وكان الهمس يدور في كل زاوية من نزلالمهاجرين أن البريجادير ستوكويل إنما يرمى بثقله مع الهاغاناه ، وأنه في الحقيقة كتم الخبر عن موعد انسحابه ولم يسر به إلا للهاغاناه . فأعطاهم بذلك عنصر المفاجأةفي اللحظة المناسبة ، وذلك في وقت كان يحسب فيه العرب أن تخلي الجيش البريطاني عنالسلطة إنما سيتم في وقت لاحق.
وطل طوال يومي الأربعاء والخميس في ( النزل ) ، وكانوا كلهم قد تلقوا التعليمات بألا يغادروا المكان . ويوم الجمعة بدأ بعضهم يخرجون ،إلا أنه لم يخرج من النزل حتى صباح السبت . وأدهشه للوهلة الأولى أنه لم يجد سيارة ، لقد كان سبتا يهوديا حقيقيا . وابتعث ذلك شيئا من الدموع في عينيه لسببلا يستطيع تفسيره. وحين رأته زوجته كذلك فوجئ بها تقول له - والدموع في عينيها- :
- إنني أبكي لشيء آخر، إنه سبت حقيقي، ولكن لم يعد ثمة جمعه حقيقية هنا، ولاأحد حقيقي.
ذلك كان مجرد البداية ، فللمرة الأولى منذ جاء زوجته أمامه باختصار شيئا مقلقا لم يكن يحسب حسابه ولم يفكر فيه. وفجأة أخذت آثار الدمار ، التيبدأ يلاحظها ، شكلا جديدا ومعنى آخر ، ولكنه رفض بينه وبين نفسه أن يجعل من ذلكمبعثا جادا للقلق ، أو حتى للتفكير.
على أن الأمر لم يكن كذلك لميريام ،زوجته ، إذا أنها تغيرت تماما ذلك اليوم ، وجاء التغير حين شهدت ، وهي تدور قرب كنيسة بيت لحم في الهادار . شابان من الهاغانه يحملان شيئا ويضعانه قي شاحنه صغيره كانت واقفه هناك ، واستطاعت في لحظة كان خطاف البصر أن ترى ما يحملانه ، فأمسكت بذراع زوجها وصاحت وهي ترتجف:
- أنظر!
إلا أن زوجها حين نظر حيث كانت تشير ، لم يرى شيئا ، كان الشابان يمسحان كفيهما على طرفي قميصيهما الخاكيين ،وقالت زوجته :
كان طفلا عربيا ميتا ، وقد رأيته مكسوا بالدم .
وأخذها زوجها إلى الرصيف الآخر وسألها :
- كيف عرفت أنه طفل عربي؟
- ألم تر كيف ألقوه في الشاحنة كأنه حطبه ؟ لو كان يهوديا لما فعلوا ذلك.
وأراد أن يسألها لماذا ، إلا أنه لحظ وجهها وصمت .
كانت ميريام قد فقدت والدها في أوشفيتز قبل ذلك بثماني سنوات . وقبل ذلك ، حين دهموا المنزل الذي كانت تعيش فيه مع زوجها ، ولم يكن عند ذاك فيه ، التجأت إلى جيران كانوايسكنون فوق منزلها . ولم يجد الجنود الألمان أحداً ، الا انهم في طريق نزولهم علىالسلم صادفوا أخاها الصغير قادما إليها ، كان عمره عشر سنوات ، وقد جاء آنذاك ليخبرها -أغلب الظن - أن والها قد سيق إلى المعتقل وأنه الآن صار وحده . إلا أنه حين رأى الجنود الألمان استدار وأخذ يعدو هاربا . وقد استطاعت أن ترى ذلك عبر تلك الكوة الضيقة التي تتيحها المسافه الصغيرة المتروكة بين مجموعة السلالم ومن هناك شهدت كيف أطلق عليه الرصاص.
وحين عاد إيفرات كوشن مع ميريام إلى نزل المهاجرين كانت ميريام قد قررت العودة إلى إيطاليا . ولكنها لم تفلح طوال تلك الليلة ، ولا في الأيام القليلة التي أعقبت ذلك اليوم ، في إقناع زوجها بذلك ،وكانت دائما تخسر النقاش بسرعة ، ولا تستطيع إيجاد الكلمات التي تعبر عن رأيها ،وتشرح حقيقة دوافعها .
ألا أن الأمور عادت فتغيرت بعد ذلك بأسبوع واحد ،فقد عاد زوجها من زيارة لمكتب الوكالة اليهودية في حيفا بخبرين مفرحين: لقد أعطيبيتا في حيفا نفسها، وأعطي مع البيت طفلا عمره خمسة شهور!
مساء يوم الخميس، 22 نيسان 1948 ، سمعت تورا زونشتاين المرأة التي كانت تسكن مع ابنها الصغيربعد أن طلقها زوجها ، في الطابق الثالث ، بالضبط فوق بيت سعيد.س ، صوت بكاء طفلواهن منطلق من الطابق الثاني.
ورغم أنها لم تصدق في بادئ الأمر ما ذهبت إليه أفكارها ، الا أنها تحركت من مكانها بعد أن استطال البكاء الواهن ، ونزلت إلىالطابق الثاني وأخذت تقرع الباب.
واخيرا اضطرت إلى تحطيم الباب، وكان الطفل فيسريره منهكا تماما ، فحملته إلى بيتها .
كانت تورا تحسب أن الأمور ستعودإلى ما كانت عليه بعد فترة وجيزة . إلا أن ذلك الحسبان ما لبث أن سقط بعد يومين اثنين ، حين اكتشفت أن الأمر يختلف تماما عما كانت تحسب . ولم يكن من المعقول الاستمرار بالاحتفاظ بالصبي، فحملته إلى الوكالة اليهودية في حيفا وهي تتصور أن شيئا ما يمكن أن يقام به لحل تلك المشكلة .
وهكذا فقد كان من حظ ايفراتكوشين أن جاء بعد ذلك بفترة وجيزة إلى مكتب الوكالة اليهودية ، وحين تبين المسؤولون هناك من أوراقه انه لم ينجب أولادا ، عرضوا عليه بيتا في حيفا نفسها ،كامتياز خاص ، إن هو قبل بتبني الطفل.
ولم يكن هذا العرض الا مفاجئة مدهشة لايفرات ، الذي كان يتحرق لتبني طفل بعد أن تأكد كليا من أن ميريام غير قادرة علىالإنجاب . بل أنه مضى إلى حد اعتبار الأمر كله بمثابة هبة إلهية لا تكاد تصدق تأتيب خيراتها دفعه واحدة . إذ لا شك أن طفلا يعطى لميريام سيجعلها تتغير تماما ، وتكفعن ذلك الشيء الغريب الذي بات ينتاب أفكارها منذ رأت ذلك الطفل العربي القتيل يلقى في شاحنة الموت كقطعة خشب رخيصة .
وكان ذلك اليوم يوم خميس، الثلاثين من نيسان 1948 ، عندما دخل أفرات كوشين وزوجته ميريام برفقة موظف من الوكالة اليهودية له وجه يشبه الدجاجة ، ويحمل طفلا عمره خمسة شهور ، إلى بيت سعيد س. في الحليصة .
أما سعيد س. وصفية فقد كانا في ذلك اليوم بالضبط يبكيان معا ، بعد أنعاد سعيد للمرة الثالثة فاشلا ، عاجزا عن الدخول إلى حيفا ، لينام بعد قليل مرهقا ممزقا شبه غائب عن الوعي من فرط التعب ، في الغرفة التي كانت صفا سادسا بمدرسة المعارف الثانوية ، مقابل جدار السور الذي يحمي سجن عكا الشهير ، على شاطئ البحرالغربي.
ولم يتناول سعيد س. قهوة ميريام ، واكتفت صفية برشفة واحدة ،تناولت معها قطعة من البسكوت المعلب كانت ميريام قد وضعته ، دون أن تكف عن الابتسام، أمامهما .
وظل سعيد س. ينظر حواليه وقد تضاعفت حيرته بعد أن أستمع إلىقصة ميريام نتفة وراء الأخرى ، طوال زمن بدا له طويلا ، ولفترة ما ظلا ، صفية وهو ،جالسين على مقعديهما كأنما سمرا هناك ، ينتظران شيئا مجهولا لا قدرة لهما على تصوره .
ومضت ميريام تذهب وتجيء . وحين كانت تغيب وراء الباب كانا يوصلان الاستماع إلى خطواتها البطيئة تجر نفسها جرا على البلاط ، بل كان بوسع صفية حين تغمض عينيها قليلا أن تتصور بالضبط كيف كانت ميريام تعبر الممر المؤدي إلى المطبخ ،وعن يمينها كانت غرفة النوم ، ومرة واحدة فقط سمعت اصطفاق الباب ، فنظرت نحو زوجهاوقالت له بمرارة : - كأنها تتصرف في بيتها ! تتصرف وكأنه بيتها !
وابتسما بصمت ، وعاد يشد راحتيه على بعضهما بين ركبتيه دون أن يستطيع التوصل إلى قرار ،وأخيرا جاءت ميريام ، فسألها :
- ومتى سيحضر ؟
- وقت أوبته الآن ، ولكنهقد يتأخر قليلا . لم يلتزم طوال عمره بموعد لعودته إلى البيت ، إنه مثل أبيه تماما …. كان …
وصمتت وهي تعض قليلا على شفتيها وتنظر نحو سعيد الذي أحس ببدنه يرتجف للحظة وكأن تيارا كهربائيا مسه . مثل أبيه ! وفجاءة سأل نفسه : ما هي الأبوة ؟ وكان مثل من فتح مصراعي شباك إعصار غير متوقع . فأخذ رأسه بين راحتيه وحاول أن يوقف ذلك الدوران المجنون للسؤال الذي كان كامنا في مكان ما من عقله طوال عشرين سنة ، دون أن يجرؤ على مواجهته ، أما صفية فقد أخذت تربت على كتفه ، لقد فهمت بصورة غريبة >لك الارتطام الذي لا يصدق ، والذي يمكن للكلمات أحيانا أن تفعلهعلى حين فجأة ، ثم قالت:
- أنظر من الذي يتحدث ! إنها تقول (مثل أبيه)! وكأن لخلدون أبا غيرك !.
إلا أن ميريام تقدمت الى الأمام ، ووقفت معدة نفسها لتقول شيئا صعبا . ثم ببطء أخذت تنتزع تلك الكلمات التي تبدو وكأن يدا ما تنتشلها من أعماق بئر محشو بالغبار :
- إسمع يا سيد سعيد . أريد أن أقول لك شيئا مهماولذلك أردتك أن تنتظر دوف ، أو خلدون إن شئت ، كي تتحدثا . وكي ينتهي الأمر كما تريد له الطبيعة أن ينتهي ، أتعتقد أن الأمر لم يكن مشكلة لي كما كان مشكلة لك ؟طوال السنوات العشرين الماضية وأنا محتارة ، والآن دعنا ننتهي من كل شيء . أنا أعرف أبوه ، وأعرف أيضا أنه ابننا ، ومع ذلك لندعه يقرر بنفسه ، لندعه يختار . لقد أصبح شابا راشدا ، وعلينا نحن الإثنين أن نعترف بأنه هو وحده صاحب الحق في أن يختار … أتوافق؟.
وقام سعيد عن مقعده واخذ يدور في انحاء الغرفة ثم وقف امام الطاولة المنقوشة بالصدف وسط الغرفة واخذ ، مرة أخرى ، يعد ريشات الطاووس في المزهرية الخشبية الجاثمة هناك ، الا انه لم يقل شيئاً . وظل صامتاً كأنه لم يسمع حرفاً . وكانت ميريام تنظر اليه متحفزة ، واخيراً التفت الى صفية وشرح لها ما قالته ميريام ، فقامت من مكانها ووقفت الى جانبه ، ثم قالت بصوت مرتجف:
- ذلك خيار عادل … وانا واثقة ان خلدون سيختار والديه الحقيقيين . لا يمكن ان يتنكرلنداء الدم واللحم .
وفجأة أخذ سعيد يضحك بكل قوته ، وكانت ضحكته تعبق بمرارة عميقة تشبه الخيبة :
- أي خلدون يا صفية ؟ أي خلدون ؟ اي لحم ودم تتحدثين عنهما ؟ وأنت تقولين أنه خيار عادل ! لقد علموه عشرين سنه كيف يكون . يوماًيوماً ، ساعة ساعة ، مع الاكل والشرب والفراش .. ثم تقولين : خيار عادل ! ان خلدون، أو دوف ، أو الشيطان ان شئت ، لا يعرفنا! أتريدين رأيي ؟ لنخرج من هنا ولنعد الىالماضي . انتهى الامر . سرقوه.
ونظر نحو صفية التي تهاوت في مقعدها وقد تلقت للمرة الاولى حقيقة الامر دفعة واحدة ، وبدأ لها كلام زوجها صحيحاً تماماً ،الا انها ظلت تحاول التعلق بخيوط غير مرئية لامال بنتها في وهمها عشرين سنة كنوع منالرشوة . وعاد زوجها يقول لها :
- ربما كان لا يعرف على الاطلاق انه ولد من أبوين عربيين .. ربما عرف ذلك قبل شهر ، او اسبوع ، او سنة .. فماذا تعتقدين؟انه مخدوع ، وقد يكون اكثر حماساً لها منهم .. لقد بدأت الجريمة قبل عشرين سنة ،ولا بد من دفع الثمن .. بدأت يوم تركناه هنا.
- ولكننا لم نتركه. انت تعرف.
- بلى. كان علينا الا نترك شيئاً . خلدون ، والمنزل، وحيفا! ألم ينتابك ذلك الشعور الرهيب الذي انتابني وأنا اسوق سيارتي في شوارع حيفا؟ كنت اشعرانني اعرفها وانها تنكرني. وجاءني الشعور ذاته وانا في البيت، هنا . هذا بيتنا! هل تتصورين ذلك؟ انه ينكرنا! . الا ينتابك هذا الشعور! انني اعتقد ان الامر نفسه سيحدثمع خلدون وسترين!.
وأخذت صفية تنشج ببؤس ، فيما مضت ميريام الى الخارج تاركة الغرفة التي ملأها فجأة توتر محسوس . وشعر سعيد بأن جميع الجدران التي عيش نفسه طوال عشرين سنة داخلها تكسرت وصار بوسعه ان يرى الاشياء اكثر وضوحاً وانتظرلحظات حتى خف نشيج صفية ، فاستدار نحوها وسألها :
- اتعرفين ما حدث لفارس اللبدة ؟.
- ابن اللبدة اياه؟ جارنا؟.
- اجل ، جارنا في رام اللهالذي سافر الى الكويت . اتعرفين ماذل حدث له حين زار قبل اسبوع واحد منزله فييافا؟.
- هل ذهب الى يافا؟.
- اجل. قبل اسبوع كما اعتقد، وقداستأجر سيارة من القدس اخذنه الى يافا . توجه فوراً الى العجمي ، كان يسكن قبل عشرين سنة في بيت من طابقين وراء المدرسة الارثودكسية في العجمي . تذكرين المدرسة؟انها وراء مدرسة الفرير ، وانت ذاهبة الى الجبلية ، الى اليسار وبعدها بمئتي متر مدرسة الارثوذكس على اليمين ، ولها ملعب كبير ، وبعد الملعب يوجد مفرق ، وفي منتصف الزقاق كان فارس اللبدة يسكن مع عائلته. كان يغلي غضباً يومها، فأمر السائق بالوقوف امام المنزل وصعد السلم درجتين درجتين ودق على باب منزله..
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : أدب | السمات:أدب
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























