لبنان أو حين يتحول الصمت إلى منبر وترفض الأساطير تعديل حبكتها

كتبهاعربية ، في 18 ديسمبر 2007 الساعة: 15:14 م

عبد الكبير الميناوي *

لي حكمة المحكوم بالإعدام، كتب محمود درويش في ديوانه “لاتعتذر عما فعلت”. لا أشياء أملكها لتملكني. كتبتُ وصيتي بدمي وحلمتُ بأن قلب الأرض أكبر من خريطتها.
قبل ذلك، لم يحتمل أنسي الحاج مشهد الحريق اللبناني فلخص للألم لابسا رداء القصيدة ورهبة الشعر، قائلا:
“كرهوا أمّة لأنها تبتسم فراحت تضحك
وقتلوها لأنها تضحك فأخذت ترقص
ومزقوها لأنها ترقص
فراحت عيناها تغصان بالوعود وشعشعت نوافذها
قطعوا يمناها عن يسراها لأن يديها قلب العالم”.
ليست محاولات الفهم علامات ضعف أو استسلام لما جرى ويجري، بقدر ما تختزن قوة خفية للصمود والتحدي :
“هو الخاطف تاريخي وأرضي
وأنا المالك مفاتيح الجنتين،
هو الحارق غاباتي
وأنا الجذور اللاتحرق وخصب تراب الجذور،
هو الضاربني برأسي القاتلني بجسمي
وأنا الأبله المرتمي في كل فخ، ولكني المعصوم عن الموت لبساطة قلبي،
هو الثعلب العبقري
وأنا الكناري الذي له مجد الحياة والموت طربا”.
من عادة الشعر والشاعر أن يكون لسانا ينقل للوضع والحصار الذي يتملك الفرد في هذه الجهة أو تلك من العالم. لكن الحصار حالة قبل يكون وضعا محصورا في المكان والزمان. وفي الحصار، كما كتب محمود درويش، يصير الزمان مكانا تحجّر في أبده، والمكان زمانا تخلف عن أمسه وغده.
في مثل هذا الواقع، يصير الشاعر مطالبا بأن يخفف عن النائمين طنين الصدى، من دون أن ننسى ذلك الشاعر الجاهلي الذي نطق ذات مرارة مدافعا عن صمته، قائلا، لو أن قومي أنطقتني رماحهم نطقتُ ولكن الرماح أُجِّرَت.
الحصار حالة قبل أن يكون واقعا. الحصار هو أن تجد نفسك مركونا إلى بيتك في مراكش أو الجزائر أو دمشق أو تونس أو باريس لاتملك إلا أن تناضل فضائيا، حيث شريط الأحداث يمر أمامك مسرعا بأخباره وأحداثه.
تجلس إلى نفسك والقنوات الفضائية. أخبار عاجلة ومشاهد دمار وقصف. برامج نقاش ومواقف من هذا البلد أو ذاك. الجزيرة والمنار والال بي سي والمستقبل والجديد والعربية وغيرها، فيما الباقي غارق في روتين الرقص اليومي والبرامج الإخبارية الباردة. قنوات ترافق الحدث وأخرى تتابع برامج الرقص والغناء.
تتوالى أيام العدوان والحرب على لبنان فيتزايد حجم الدمار والموت. يتحول الصمت إلى منبر، كما كتب أحمد المجاطي ذات فروسية. يتحول الصمت أمام كل مايقع إلى ديانة جديد. يبحث الصمت عن مبرراته. يصير للصمت أتباع من مختلف الجغرافيات واللغات.
تتجول كوندوليزا رايس عبر عواصم الشرق الأوسط والعالم راسمة ابتسامة باهتة، في محاولة لتسويق شرق أوسط جديد. ينادي العالم بوقف العدوان والحرب وتجيب كوندوليزا رايس وقادة إسرائيل بالحاجة إلى بعض الوقت. تماما كما أخبرنا محمود درويش ذات حصار :
“الأساطير ترفض تعديل حبكتها
ربما مسها خلل طارئ
ربما جنحت سفن نحو يابسة
غير مأهولة،
فأصيب الخيالي بالواقعي،
ولكنها لاتغير حبكتها
كلما وجدت واقعا لايلائمها
عدلته بجرافة”.
بين مجزرة وأخرى، صرنا نعرف كل مدينة وقرية في لبنان : صور وصيدا. الضاحية الجنوبية وطرابلس. بنت جبيل ومارون الراس وعيترون. وبين قصف وآخر ومجزرة وأخرى تغرق قانا وأخواتها في المأساة والموت من جديد.
عبارة “عاجل” المرسومة بين لحظة وأخرى عبر شاشات الفضائيات صارت نذير شؤم. أخبار عاجلة تسابق بعضها لابسة لون الدمار والدم. حمم تأتي من الجو والبحر والبر، فيما الموتى والجرحى بالعشرات. نتابع صور الأماكن وكيف كانت وكيف أصبحت. المربع الأمني والضاحية الجنوبية. بنايات انهارت. منازل هدمت ومقرات دمرت. مظاهرات وأغاني حماسية. “انتبه خطر الموت” و “لبيروت من قلبي سلام”. “نصرك هز الدنيا” تخلد لنصر المقاومة. وحديث بوش عن سلام دائم يصب في “مصلحة الأطفال”.
يبدو أن التاريخ يكرّر ذاته. نعود كما الأمس إلى أغاني مارسيل خليفة وقعبور وماجدة الرومي وأميمة خليل وفيروز وجوليا بطرس وغيرهم، ممن قدموا على مستوى الفن أغاني تنقل لتاريخ ومشاهد ومشاعر تترجم وعيا صادقا بما رافق الصراع العربي الإسرائيلي من دم ودمار ومن مقاومة : “صامدون، هنا” و “أناديكم” و “أحمد العربي” و “وين الملايين”.
في هدوء ملأت صور ماجدة الرومي وغيرها من الفنانين والفنانات شاشات الفضائيات الإخبارية للحديث عن جراح لبنان. فجأة اختفت هيفاء وهبي والأخريات. بعض التقارير الإخبارية نقلت أنهن حزمن حقائبهن وسافرن إلى خارج لبنان منذ وقوع الحرب.
مساء السبت الماضي أطلت ماجدة الرومي ضيفة على أحد برامج فضائية الجزيرة. ماجدة الرومي التي كانت رفضت في وقت سابق فكرة الرحيل عن بيروت ولبنان في ظل الظروف الراهنة.
من خلال نبرة كلامها وطريقة تحليلها لواقع الأحداث برز صوت فنانة قديرة وضمير وطن وشعب.
تبدو ماجدة الرومي أجمل نموذج للفن الجميل وأرقى مايمكن أن يقف في وجه فنانات أخريات يتوسلن بالعري لكسب مواقع على مستوى السماع والمشاهدة.
في أغنية “بيروت ياست الدنيا”، تعترف ماجدة الرومي بلساننا أنا كنا نغار من بيروت وأن جمالها كان يؤذينا، و بأنا لم ننصفها ولم نرحمها ولم نفهمها فأهديناها مكان الوردة سكينا، وبأنا جرحناها وأتعبناها وحرقناها وحمّلناها معاصينا، نحن الذين عرفنا متأخرين ماذا اقترفت أيدينا.
في “بيروت ياست الدنيا”، تنتهي ماجدة الرومي مخاطبة بيروت بصوت حماسي وأوبرالي فاتن يلخص لدفء المشاعر :
“قُومي من تحت الردم كزهرة روز في نيسان …
قُومي من حزنك …
قُومي إكراما للأمطار والوديان والإنسان”.
وكما في “القناع” و”لبنان قلبي” وغيرها، تحافظ ماجدة الرومي على صدق المشاعر و رسالة الفن الراقية. فنانة عرفت بأغانيها المحافظة وأسلوب غنائي أرستقراطي مميز. في “لبنان قلبي”، نادت ماجدة الرومي لبنان في قلبها ليخفق بها فأجابها الجرح أنْ هذا الجرح فانسكبي، قبل أن تتذكر مدينة صور وأحفاد هولاكو وهنيبعل وبطولة الشعب، هي التي خطت مسارها منذ سنة 1975 عندما قدمت أغنيتها الأولى “عم بحلم بك يا لبنان”.
بعد ماجدة الرومي على قناة الجزيرة، حلت أميمة خليل ضيفة على برنامج آخر على نفس الفضائية. بين الحديث والحديث تمر صور القصف ومشاهد الدمار. وبين كل الصور والمشاهد يصدمنا رقم 106 المكتوب على صندوق جمع أشلاء جثة طفل لم يكمل أربعا وعشرينا ساعة من عمره.
انتهت ماجدة الرومي رمزا للكبرياء وصوتا موسيقيا يشدو بحب لبنان. لذلك كان طبيعيا أن يصير لها محبوها وعشاقها. أحدهم كتب مؤخرا، قائلا : “لم أنظر إليك في يوم من الأيام إلا وصورة القديسين تتراقص أمام عيوني، ولم يكن لصوتك أن يمر مرور الكرام في حياتي، ففي مراهقتي وبينما كان أبناء جيلي منشغلين براغب علامة ونجوى كرم وجورج وسوف كنت أقدم لهم شريطاً لفنانة غريبة عنهم اسمها ماجدة الرومي، فكانوا يستغربون من ذوقي ويتساءلون عن سر حبي لهذه المغنية الأوبرالية التي تشق بصوتها عنان السماء. ويوماً بعد يوم صعدت ماجدة الإنسانة الفنانة الرهيفة الخيرة. صعدت بحبها الأسطوري لبلد صغير اسمه لبنان. بلد تجتاحه الأعاصير السياسية وتصفية الحسابات الإقليمية والدولية. لم تمسك ماجدة صليباً وتبشر بدينها دين المسيح، ولم تتحجب وتمسك مسبحة لتبشر بالدين الإسلامي، لم تترهبن، ولم تتعرى. بقيت وفية لحبها الكبير … لكل لبنان، وأمس في حديث هاتفي مع إحدى القنوات الفضائية لم تستطع مغالبة دموعها وهي تتحدث عن جولتها اليومية على المدارس التي تؤوي لاجئي الحرب. تحدثت ماجدة بصوت أم فقدت ابنتها الوحيدة. تحدثت بحنجرة الأرض المثخنة من ضربات القنابل ودخان الحروب. تمنيت في تلك اللحظة أن أصير أنا لبنان حتى استحوذ على الحب الكبير لهذه السيدة الرائعة”.
يسقط اللبنانيون قتلى وجرحى بالعشرات. تتم تسوية المباني مع الأرض، فيما يترافق العدوان الإسرائيلي وصمود المقاومة وشعب لبنان مع بروز قيم وسقوط عناوين أخرى. فهذا البلد الصغير في حجمه ذاهب للتغيير في الاستراتيجيات التي تم التخطيط لها خلف الغرف المنادية بشرق أوسط جديد. صارت ثنائية المركز والمحيط ومعنى الكبر والصغر بين دول العالم العربي بلا معنى. ثقافيا وفنيا اقتنعنا أن من يسوق فنه صوتا ورسالة فنية هو أجمل وأرقى. ماجدة الرومي من بين هؤلاء … فنانة، إذ تختصر وطناً جريحاً ورائعاً، “تجعلك في برهة الحلم تستحم بسحرها”.

* صحفي مغربي.

 

 

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : لبنان, مقالات | السمات:,
أرسل الإدراج  |   دوّن الإدراج  


اكتب تعليــقك
الإسم الذي سيظهر على التعليق
مشتركي مكتوب
اسم آخر




<!-- End W3Counter Tracking Code-->