عائدون بلا نشيد
كتبهاعربية ، في 18 ديسمبر 2007 الساعة: 15:27 م
عبد الكبير الميناوي *
قبل أيام حلت الذكرى 40 لحرب 67، التي اشتهرت في التاريخ العربي المعاصر بحرب “حزيران” و”حرب الأيام الستة” و”النكسة”. كانت حرباً قصيرة في مدتها، كبيرة في خسائرها ومخلفاتها، بعد أن غيرت كثيراً من الأشياء في الجغرافيا وفي النفوس، وبعد أن عاش العالم العربي يجتر، إلى اليوم، تبعاتها المؤلمة.
بعد أربعين عاماً، يجد العالم العربي نفسه مُنشغلاً عن الهزيمة التاريخية بأغاني وأفلام الفضائيات، وأخبار العراق ولبنان ودارفور، وفتاوى الأزهر، وأسعار لاعبي الكرة.
بعد أربعين عاماً، ستمر أخبار الذكرى المريرة فاصلاً قصيراً بين خبر رحيل روبرطو كارلوس عن ريال مدريد وآخر أخبار نجوم “سوبر ستار”.
بالأمس، وأنا “في حضرة الغياب”، استرجعت تاريخاً مُنسلاً بين أيدينا، تُلخص له سنواتٌ من الحجارة وسيلٌ من الأغاني الحماسية ومئاتٌ من الشعارات التي رفعت من دون أن يتحقق رُبعها.
“في حضرة الغياب”، يترك الشاعر العربي الكبير محمود درويش مايقْبلُ العد والقياس على مستوى الأشكال والكتابة، حيث “ألنثر جار الشعر ونزهة الشاعر”، لينخرط في عرض سيرة فاتنة بلغتها، موجعة بأحداثها وحنينها، تمتد من طفولة لاجئة إلى عودة تائهة : “يوقظونك من زمنك الخاص، ويقولون لك : اكْبر الآن معنا في زمن القافلة، واركض معنا لئلا يفترسك الذئب … فاترك بقية منامك نائماً على نافذة مفتوحة، ليلحق بك حين يصحو عند الفجر الأزرق” و”اخرج معنا في هذا الليل الخالي من الرحمة”.
سيحفظ شاعرنا ليل الألم عن ظهر قلب، من دون أن ينسى الطريق الضيق المتعرج الذي سيرميه وأهله بالشبهات.
“وتسأل : مامعنى كلمة “لاجئ” ؟
سيقولون : هو من اقتلع من أرض الوطن.
وتسأل : ما معنى كلمة “وطن” ؟
سيقولون : هو البيت، وشجرة التوت، وقن الدجاج، وقفير النحل، ورائحة الخبز، والسماء الأولى.
وتسأل : هل تتسع كلمة واحدة من ثلاثة أحرف لكل هذه المحتويات … وتضيق بنا؟”.
بسرعة، سيكبر شاعرنا على وقع الكلمات الكبيرة، وسيرى إلى نفسه في مطار أول وثان وثالث ورابع وعاشر شارحاً لموظفين لامبالين درساً في التاريخ المعاصر عن شعب النكبة الموزع بين المنافي والاحتلال منذ أن هبطت عليهم جرافة التاريخ العملاقة وجرفتهم من مكانهم وسوت المكان على مقاس أسطورة مدججة بالسلاح وبالمقدس … ف”هل من جلاد مقدس؟”، يتساءل شاعرنا، قبل أن يُسائل نفسه : “من أنت في هذه الرحلة ؟ .. أشاعرٌ طروادي نجا من المذبحة ليروي ماحدث، أم خليط منه ومن إغريقي ضل طريق البداية” ؟؟
سيعلو الطريق وسيهبط، سيتموج وسيتعرج وسيطول، وسيتفرع إلى طرق لاحصر لها ولانهاية تجتمع بالبداية … ولاغد سيبقى على حاله، لتبقى “القصيدة ناقصة”، وليصبح “الحنين ندبة في القلب وبصمة بلد على جسد”.
وبين الدخول والخروج زمنٌ مديدٌ، سيؤذن لشاعرنا بوداع المنفى بما يستحق من شجن، وليودع “الذاهبين إلى ساحة البلاد الخلفية .. الخارجين من فضاء الأسطورة إلى وعاء الواقع الضيق” : إنهم “عائدون بلانشيد عالٍ وبلا راية جسور، كمتسللين من ثقب جدار تارة، وتارة كمحتفلين بدخول بوابة واسعة لسجن حَسَن التسمية، وطنيِّ الفوضى. المهاجرون عائدون والعائدون مهاجرون”، ف “هل انتهت الرحلة أم بدأت ؟”، سيتساءل شاعرنا، قبل أن ينقل صدمة عودته الشخصية “في الظلام دخلنا، أو تسللنا إلى غزة”.
في ذلك الليل المُقطع بالحواجز والمستوطنات وأبراج المراقبة، سيكتشف شاعرنا، كم “يحتاج المرء إلى علم جغرافيا جديد ليعرف الحدود الفاصلة بين الخطوة والخطوة التالية، وبين الممنوع والمسموح، كصعوبة العثور على الغامض والواضح في اتفاقيات أوسلو”.
سيسير شاعرنا في أزقة غزة خجِلاً من كل شيء، قبل أن يتساءل : “أي داهية قانوني أو لغوي يستطيع صوغ معاهدة سلام وحسن جوار بين قصر وكوخ، بين حارس وأسير ؟”، محولاً الجمل الناقلة لحجم الصدمة إلى نار تحرق كاتبها وقارئها، في آن
“ألليل يهبط علينا. وعلينا أن نأبه بشواغل الذين تركونا وذهبوا إلى ليلهم الخاص”، يكتب شاعرنا في مرارة.
“أتيتُ ولكنني لم أصل.
وجئتُ ولكنني لم أعد !”، يلخص شاعرنا لسيرته وواقعه.
“في حضرة الغياب” .. سيرة شاعر .. سيرة شعب.
* صحفي مغربي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : فلسطين, مقالات | السمات:فلسطين, مقالات
أرسل الإدراج | دوّن الإدراج
























