عائد إلى حيفا - الجزء الأخير-

نوفمبر 5th, 2008 كتبها عربية نشر في , أدب

وعاد الشاب الطويل القامة يمشي وهو يعقد كفيه وراء ظهره : ثلاث خطوات نحو الباب وثلاث خطوات نحو الطاولة . لقد بدا تلك اللحظة وكأنه حفظ عن ظهر قلب درساً طويلاً ، وانه حين قوطع في وسطه ، لم يعد يعرف كيف يكمله ، وهو يسترجع صامتاً ، في رأسه ، الجزء الاول كي يصير بوسعه المتابعة ، وفجأة قال :

- بعد ان عرفت انكما عربيان كنت دائماً اتساءل بيني وبين نفسي : كيف يستطيع الاب والام ان يتركا ابنهما وهو في شهره الخامس ويهربان ؟ وكيف يستطيع من هو ليس امه وليس اباه ان يحتضناه ويربياه عشـرين سـنه ؟ عشـرين سنه ؟ اتريد ان تقول شيئاً يا سيدي ؟.

- لا.
قال سعيد باختصار حاسم ، واشار له بيده كي يتابع :

- انني في قوات الاحتياط الان ، لم يقدر لي خوض معركة مباشرة الى الان لاصف لك شعوري ، ولكن ربما في المستقبل استطيع ان اؤكد لك مجدداً ما سأقوله الان : انني انتمي الى هنا ، وهذه السيدة هي امي ، وانتما لا اعرفكما ولا اشعر ازاءكما بأي شعور خاص .

- لا حاجة لتصف لي شعورك فيما بعد ، فقد تكون معركتك الاولى مع فدائي اسمه خالد ، وخالد هو ابني ، ارجو ان تلاحظ انني لم اقل انه اخوك ، فالانسان كما قلت قضيه ، وفي الاسبوع الماضي التحق خالد بالفدائيين … اتعرف لماذا اسميناه خالد ولم نسمه خلدون ؟ لاننا كنا نتوقع العثور عليك ، ولو بعد عشرين سنة ، ولكن ذلك لم يحدث . لم نعثر عليك .. ولا اعتقد اننا سنعثر عليك .

ونهض سعيد س . متثاقلاً . الان فقط شعر انه متعب ، وانه هدر عمره بصورة عابثة . وساقه هذا الشعور الى كابة لم يكن يتوقعها ، واحس بأنه على وشك ان يبكي ، فقد كان يعرف انه كذب ، وان خالداً لم يلتحق بالفدائيين . وفي الواقع كان هو الذي منعه . بل مضى ذات يوم الى حد تهديده بالتبرؤ منه ان هو عصا ارادته والتحق بالمقاومة . وبدت له الايام القليلة الماضية مجرد كابوس انتهى على صورة مفزعة ، اهو نفسه الذي كان قبل ايام يهدد ابنه خالد بالتبرؤ من ابوته له ؟ اي عالم عجيب لا يصدق . الان لا يجد شيئاً ليدافع به عن نفسه امام تبرؤ هذا الشاب الطويل القامة من بنوته له الا افتخاره بأبوته لخالد ، خالد نفسه الذي حال دونه ودون الالتحاق بالفدائيين بذلك السوط التافه الذي كان يسميه الابوة ! من يدري ، فربما اقتنص خالد الفرصة اثناء وجوده هو في حيفا فهرب … اه لو فعل ! كم سيكون من المخيب لكل قيم هذا الوجود ان هو عاد الى اليبت فوجد خالد بانتظاره !.

مشى سعيد خطوتين واخذ ، مره اخرى ، يعد ريشات الطاووس الخمس التي كانت في المزهرية الخشبية ، ولاول مره منذ دخل الشاب الطويل القامة الى الغرفة ، نظر الى ميريام ، وببطء قال لها :

- انه يتساءل كيف يترك الاب والام ابنهما الرضيع في السرير ويهربان … انت يا سيدتي لم تقولي له الحقيقة ، وحين رويتها له كان الوقت قد مضى ، انحن الذين تركناه ؟ انحن الذين قتلنا ذلك الطفل قرب كنيسة بيت لحم في الهادار ؟ الطفل الذي كانت جثته ، كما قلت لنا ، اول شيء صدمك في هذا العالم الذي يسحق العدل بحقارة كل يوم .. ربما كان ذلك الطفل هو خلدو ! ربما كان ذلك الشيء الصغير الذي مات ذلك اليوم التعيس خلدون… بل إنه خلدون ، وانت كذبت علينا أنه خلدون ، وقد مات ، وهذا ليس الا طفلا يتيما عثرت عليه في بولونيا ، او انكلترا.

كان الشاب طويل القامه ينكفئ على نفسه كشيء محطوم في كرسيه ، وقال سعيد لنفسه :
-
لقد فقدناه ، ولكنه بلا ريب فقد نفسه بعد هذا كله ، ولن يكون ابدا كما كان قبل ساعة وأعطاه هذا الاعتقاد شعورا غامضا بارتياح لا يفسر ، وذلك كان ما دفعه نحو الكرسي الذي كان الشاب طويل القامة جالسا فيه ، ووقف امامه وقال :
-
الانسان في نهاية المطاف قضية ، هكذا قلت ، وهذا هو الصحيح ، ولكن أية قضية ؟ هذا هو السؤال ! فكر جيدا . خالد هو ايضا قضية ، ليس لأنه ابني ، ففي الواقع … دع تلك التفاصيل ، على أية حال ، جانبا… إننا حين نقف مع الإنسان فذلك شيء لا علاقة له بالدم واللحم وتذاكر الهوية وجوازات السفر … هل تستطيع أن تفهم ذلك ؟ حسنا ، دعنا نتصور أنك استقبلتنا –كما حلمنا وهما عشرين سنة- بالعناق والقبل والدموع … أكان ذلك قد غير شيئا؟ إذا قبلتنا أنت ، فهل نقبلك نحن؟ ليكن اسمك خلدون أو دوف او اسماعيل او اي شيء آخر … فما الذي يتغير ؟ ومع ذلك فأنا لا أشعر بالاحتقار إزاءك ، والذنب ليس ذنبك وحدك ، ربما سيبدأ الذنب من هذه اللحظه ليصبح مصيرك ، ولكن قبل ذلك ماذا؟ أليس الانسان هو ما يحقن فيه ساعة وراء ساعة ويوما وراء يوم وسنة وراء سنة ؟ إذا كنت أنا نادما على شيء فهو انني اعتقدت عكس ذلك طوال عشرين سنة !

وعاد يجر خطواته ، محاولا أن يبدو أهدأ ما يكون ، عائدا الى مقعده ، إلا أنه في تلك الخطوات القليلة التي كانت تمر عبر الطاولة المصدفة ، بريش الطاووس الذي يتمايل في المزهرية الخشبية وسطها ، بدت له الأشياء مختلفة تماما عما كانت عليه حين دخل هذه الغرفة للمرة الأولى قبل ساعات ، وسأل نفسه فجأة : ما هو الوطن؟ وابتسم بمرارة ، وأسقط نفسه ، كما يسقط الشيء في مقعده ، وكانت صفية تنظر اليه قلقة ، وتفتح في وجهه عينين متسائلتين ، وعندها فقط خطر له أن يشاركها في الأمر، فسألها :
-
ما هو الوطن ؟.

وارتدت الى الوراء مندهشة وهي تنظر اليه كمن لا يصدق ما سمع ، ثم سألته برقة يكتنفها الشك :
-
ماذا قلت؟.

- سألت : ما هو الوطن؟ وكنت أسأل نفسي ذلك السؤال قبل لحظة . أجل ما هو الوطن؟ أهو هذان المقعدان اللذان ظلا في هذه الغرفة عشرين سنة ؟ الطاولة ؟ ريش الطاووس ؟ صورة القدس على الجدار؟ المزلاج النحاسي ؟ شجرة البلوط؟ الشرفة ؟ ما هو الوطن ؟ خلدون؟ أوهامنا عنه ؟ الأبوة؟ البنوة؟ ما هو الوطن ؟ بالنسبة لبدر اللبدة ، ما هو الوطن؟ أهو صورة أية معلقة على الجدار؟ أنني أسأل فقط.

ومرة جديدة ، ومفاجئة أخذت صفية تبكي ، وتجفف دموعها بمنديلها الأبيض الصغير ، وقال سعيد لنفسه وهو ينظر اليها: لقد شاخت هذه المرأة حقا ، واستنزفت شبابها وهي تنتظر هذه اللحظة ، دون أن تعرف أنها لحظه مروعة .

وعاد فنظر الى (دوف) وبدا له مستحيلا تماما أن يكون هذا الشاب من صلب تلك المرأة ، وحاول أن يستشف شبها ما بينه وبين خالد ، إلا انه لم يعثر على إيما شبه بين الرجلين ، بل رأى بصورة ما تضادا بينهما يكاد يكون متعاكسا تماما ، واستغرب أن يكون قد فقد ايما عاطفة إزاءه ، وتصور أن مجموع ذاكرته عن (خلدون) كانت قبضة من الثلج أشرقت عليه فجأة شمس ملتهبة فذوبتها.

وكان ما يزال ينظر الى (دوف) حين قام هذا الآخر فجأة ووقف أمام سعيد منتصبا كأنه يتصدر طابورا من الجنود المختبئين ، وبذل جهده كي يكون هادئا :

-

المزيد


عائد إلى حيفا - الجزء الخامس-

نوفمبر 5th, 2008 كتبها عربية نشر في , أدب

كان الوقت عصراً ، وكانت يافا – فيما عدا المنشية - ما زالت على حالها، كما كان فارس اللبدة يعرفها قبل عشرين سنة . وشعر ان اللحظات القليلة التي مضت بين قرع الباب وبين سماعه لخطوات رجل قادم ليفتحه قد امتدت دهوراً من الغضب والحزن العاجز الكسيح. واخيراً انفتح الباب ، ومد الرجل الطويل القامة ، الاسمر والذي كان يلبس قميصاً ابيض مفتوح الازرار، مد يده ليصافح القادم الذي لا يعرفه . الا ان فارس تجاهل الراحة الممدودة ، وقال بالهدوء الذي يحمل كل معنى الغضب :
-
جئت القي نظرة على بيتي . هذا المكان الذي تسكنه هو بيتي انا، ووجودك فيه مهزلة محزنة ستنتهي ذات يوم بقوة السلاح . تستطيع ان شئت ، ان تطلق علي الرصاص هذه اللحظة، ولكنه بيتي، وقد انتظرت عشرين سنة لاعود اليه .. واذا….

واخذ الرجل الواقف على عتبة الباب ، والذي كان ما يزال يمد راحته ، يضحك بقوة مقترباً من فارس اللبدة حتى صار امامه مباشرة ، وعندها تقدم بذراعين مفتوحتين نحوه واحتضنه..

- لا حاجة لتصب غضبك علي ، فأنا عربي ايضاً وبافاوي مثلك، واعرفك. فأنت ابن اللبدة .. ادخل لنشرب القهوة!.

ودخل فارس مشدوهاً ، يكاد لا يصدق . وقد كان البيت هو نفسه ، بأثاثه وترتيبه والوان جدرانه واشيائه التي يذكرها جيداً . واقتاده الرجل نحو غرفة الجلوس دون ان يقدر على اخفاء ابتسامته العريضة وحين فتح بابها وطلب منه الدخول ، وقف فارس مسمراً ثم أخذت الدموع –فجأة- تظفر من عينيه!

كانت غرفة الجلوس على حالها ، كأنه تركها ذلك الصباح، تعبق فيها. نفس الرائحة التي كانت لها، رائحة البحر التي كانت دائماً تثير في راسه دوامات من عوالم مجهولة معدة للاقتحام والتحدي، ولكن ذلك لم يكن الشيء الذي سمره في مكانه ، فعلى الجدار المقابل ، المطلي بلون ابيض متوهج ، كانت صورة اخيه بدر ما تزال معلقة، وحدها في الغرفة كلها، وكان الشريط الاسود العريض الذي يمتد في زاويتها اليمنى ما زال كما كان.

وفجأة تدفق في الغرفة جو الحداد الذي كان ، واخذت الدموع تكر على وجنتي فارس وهو واقف هناك . تلك ايام قديمة ، الا انها تدفقت الان كأن البوابات التي كانت تحبسها قد انفتحت على مصاريعها:

كان اخوه بدر اول من حمل السلاح في منطقة العجمي في الاسبوع الاول من كانون الاول عام 1947 ، ومنذ ذاك تحول المنزل الى ملتقى للشبان الذين كانوا يملؤون ملعب الارثوذكسية انذاك بعد ظهر كل يوم. اما الان فقد تغير كل شيء، وانخرط بدر في القتال ، كأنه كان ينتظر ذلك اليوم منذ طفولته ، وفي السادس من نيسان عام 1948 جيء ببدر الى الدار محمولاً على اكتاف رفاقه، كان مسدسه ما زال في وسطه، اما بندقيته فقد تمزقت مع جسده بقذيفة تلقاها وهو على طريق تل الريش . وشيعت العجمي جثمان بدر كما يتوجب على الرفاق ان يشيعوا الشهيد. ثم جيء بصورته مكبرة ، وذهب رفيق من رفاقه الى شارع اسكندر عوض حيث كتب خطاط هناك كان اسمه ((قطب)) يافطة صغيرة تقول ان بدر اللبدة استشهد في سبيل تحرير الوطن . وحمل طفل ما تلك اليافطة في مقدمة الجنازة وحمل طفلان صورته ، وفي المساء اعيدت الصورة الي البيت ، وربط شريط الحداد الاسود على زاويتها اليمنى .

انه ما زال يذكر كيف رفعت امه كل الصور التي كانت معلقة على جدران غرفة الجلوس، وعلقت صورة بدر على الجدار الذي يقابل الباب. ومنذ تلك اللحظة فاحت في الغرفة رائحة الحداد الحزين ، وظل الناس يأتون فيجلسون في الغرفة وينظرون الى الصورة ويقدمون التعازي.

كان فارس، من المكان الذي يقف فيه، يستطيع ان يرى المسامير التي كانت تحمل صوراً اخرى قبل عشرين سنة تطل برؤوسها من الجدران العارية. وبدت له كأنها رجال يقفون بالانتظار ، امام تلك الصورة الكبيرة لاخيه الشهيد ، بدر اللبدة ، معلقة وحدها ، متشحة بالسواد، في صدر الغرفة

المزيد


عائد إلى حيفا - الجزء الرابع-

نوفمبر 5th, 2008 كتبها عربية نشر في , أدب

لقد وصل ( افرات كوشن ) إلى حيفا ، برعاية الوكالة اليهودية ، قادماً إليها مع زوجته من ميناء ( ميلانو ) الإيطالي في وقت مبكر من شهر آذار . كان قد غادروارسو مع قافلة صغيرة في أوائل تشرين الثاني من عام 1947 ، وأسكن في منزل مؤقت يقعفي ضواحي ذلك المرفأ الإيطالي الذي كان آنذاك يضج بحركة غير عادية ، وفي أوائل آذارنقل بحراً مع عدد من الرجال والنساء إلى حيفا .

كانت أوراقه معدة تماماً ،وحملته شاحنة صغيرة مع أشيائه القليلة عبر الميناء الصاخب ، المليء بالجنودالبريطانيين والعمال العرب والبضائع ، عبر شوارع حيفا المتوترة ، والتي كانت تدويفيها طلقات نارية متقطعة بين الفينة والأخرى ، إلى الهادار ، حيث أسكن في غرفةصغيرة من بناء مزدحم بالسكان .

وتبين ل ( أفرات كوشن ) بعد فترة ، أن جميعالغرف في البناء يشغلها مهاجرون جدد ، ينتظرون هناك نقلهم إلى أمكنة أخرى فيما بعد، وليس يدري إن كانوا قد أطلقوا عليه اسم ( نزل المهاجرين ) وهم يلتقون كل ليلةلتناول العشاء ، أم أن ذلك الاسم كان معروفاً قبلهم ، وأنهم استعملوه فقط .

وربما كان قد نظر عدة مرات ، من شرفته إلى ( الحليصة )، إلا أنه لم يكن يعرف على الإطلاق ، أو حتى يخمن ، أنه سيجري إسكان هناك . وفي الواقع فإنه كانيعتقد أنه حينما تسوى الأمور فسينقل إلى بيت ريفي هادئ على سفح تله ما في الجليل : كان قد قرأ قصة ( لصوص في الليل ) لآرثر كوستلر حين كان في ميلان ، أعاره إياها رجل قادم من بريطانيا ليشرف على عملية التهجير ، وعاش فترة من الزمن في تلك التلال الجليلة التي جعلها ( كوستلر ) مسرحاً لروايته . وفي الحقيقة فإنه لم يكن ليعرف الكثير آنذاك عن فلسطين . وبالنسبة له كانت مجرد مسرح ملائم لأسطورة قديمة ، مايزال يحتفظ بنفس الديكور الذي كان يراه مرسوماً في الكتب الدينية المسيحية الملونة المخصصة لقراءة الأطفال في أوروبا. إلا أنه بالطبع لم يكن يصدق تماماً أن تلك الأرضكانت مجرد صحراء أعادت الوكالة اليهودية اكتشافها بعد ألفي سنة . ومع ذلك فلم يكن هذا هو أكثر ما كان يهمه آنذاك ، وقد وضع في ذلك النزل ،وكان هناك شيء اسمه الإنتظار ، وقد اعتنقه هماً يومياً مثلما فعل بقية أولئك الذين كانوا معه .

وربما لأنه سمع أصوات الرصاص منذ أن خرج من ميناء حيفا في نهاية أول أسبوع من آذار 1948 ، فإنه لم يفكر كثيراً في أن شيئاً مرعباً كان يحدث آنذاك ، وهو - علىكل حال - لم يقابل شخصاً عربياً في حياته كلها ، بل إنه صادف أول عربي في حيفا نفسها بعد إحتلالها بحوالي عام ونصف العام . وقد جعله ذلك الأمر يحتفظ طوال الأيامالحرجة بصورة فريدة وغامضة عما كان يجري حقاً . صورة أسطورية جاءت ملائمة تماماًلما كان يتصوره في وارسو وفي ميلان طوال 25 سنة من عمره ، ولذلك كانت المعارك التي يسمع أصواتها ثم يقرأ أخبارها في بالستاين بوست كل صباح ، إنما تجري بين بشر وبين أشباح ، ليس إلا .

أين كان بالضبط يوم الأربعاء 21 نيسان 1948 ، في الوقت الذي كان سعيد س. ضائعاً بين شارع اللنبي و حارة حلول وكانت زوجته صفية تندفع من الحليصة نزولاً على حافة المركز التجاري باتجاه شارع ستانتون ؟.

لم يعد من الممكن الآن تذكر الأمر تماماً ، بتفاصيله ، ومع ذلك فإنه يذكرأن الهجوم الذي بدأ صباح الأربعاء ظل مستمراً حتى ليل الخميس ، وصباح الجمعة فقط ، 23 نيسان 1948 ، تأكد تماماً أن الأمر في حيفا قد انتهى ، وأن الهاغانا سيطرت علىالموقف كلياً . وهو لم يعرف بالضبط ماذا حدث على وجه الدقة : لقد بدا القصف من الهادار ، وتكومت التفاصيل لديه من الراديو ومن أخبار القادمين بين الفينة والأخرىممتزجة بصورة تستعصي على الاستيعاب . إلا أنه كان يعلم أن الهجوم الشامل الذي بدأصباح الأربعاء قد انطلق من ثلاثة مراكز وأن الكولونيل موشيه كارماتيل كان يضع يده في تلك اللحظة على ثلاث كتائب يحركها من هادار هاكرمل ومنالمركز التجاري ، وأن واحدة من هذه الكتائب كان عليها أن تكتسح الحليصة ، فالجسر ، فوادي رشميا نحوالمرفأ . في حين تضغط كتيبة أخرى من المركز التجاري لحصر الهاربين في ممر ضيق ينتهيإلى البحر . ولم يكن ايفرات يعرف على وجه التحديد مواقع هذه الأمكنة التي حفظأسماءها من فرط التكرار . وقد كان ثمة ارتباط ما بين كلمة ارغون وكلمة واديالنسناس، مما جعله يفهم أن العصابة تلك كانت مكلفة بالهجوم هناك .

ولم يكن أفرات كوشن بحاجة إلى من يؤكد له أن الإنجليز مهتمون بتسليم حيفا للهاغاناه ،فقد كان بوسعه معرفة أنهم كانوا وما زالوا يقومون بدوريات مشتركة ، وقد رأى ذلك بنفسه مرتين أو ثلاث مرات . ولا يذكر الآن كيف حصل على معلوماته عن دور البريجاديرستوكويل ، ألا أن ذلك بالنسبة له كان مؤكدا ، وكان الهمس يدور في كل زاوية من نزلالمهاجرين أن البريجادير ستوكويل إنما يرمى بثقله مع الهاغاناه ، وأنه في الحقيقة كتم الخبر عن موعد انسحابه ولم يسر به إلا للهاغاناه . فأعطاهم بذلك عنصر المفاجأةفي اللحظة المناسبة ، وذلك في وقت كان يحسب فيه العرب أن تخلي الجيش البريطاني عنالسلطة إنما سيتم في وقت لاحق.

وطل طوال يومي الأربعاء والخميس في ( النزل ) ، وكانوا كلهم قد تلقوا التعليمات بألا يغادروا المكان . ويوم الجمعة بدأ بعضهم يخرجون ،إلا أنه لم يخرج من النزل حتى صباح السبت . وأدهشه للوهلة الأولى أنه لم يجد سيارة ، لقد كان سبتا يهوديا حقيقيا . وابتعث ذلك شيئا من الدموع في عينيه لسببلا يستطيع تفسيره. وحين رأته زوجته كذلك فوجئ بها تقول له - والدموع في عينيها- :
-
إنني أبكي لشيء آخر، إنه سبت حقيقي، ولكن لم يعد ثمة جمعه حقيقية هنا، ولاأحد حقيقي
.

ذلك كان مجرد البداية ، فللمرة الأولى من

المزيد


التالي




<!-- End W3Counter Tracking Code-->