عائد إلى حيفا - الجزء الثالث-

نوفمبر 5th, 2008 كتبها عربية نشر في , أدب

تردد سعيد.س هنيهة فقط وهو يطفئ محرك سيارته ،ولكنه كان يعرف في أعماقه أنه لو ترك نفسه يتردد فترة أطول لانتهى الأمر، ولعادفحرك سيارته عائدا أدراجه . وهكذا جعل الأمر ، لنفسه ولزوجته ، يبدو طبيعيا للغاية. كما لو أن العشرين سنة الماضية وضعت بين مكبسين جبارين وسحقت حتى صارت ورقه شفافةلا تكاد ترى. نزل من السيارة وصفق وراءه بابها ، وأخذ يرفع حزامه وهو ينظر نحوالشرفة تاركا المفاتيح تخشخش في راحته دونما اكتراث.

ودارت زوجته حولالسيارة ووقفت إلى جانبه ، إلا أنها لم تكن بارعة مثله. أمسك بذراعها ، وأخذ يقطعبها الشارع: الرصيف ، البوابة الحديدية الخضراء، الدرج.

وبدآ يصعدان ، دونأن يترك لنفسه أو لها فرصة النظر إلى الأشياء الصغيرة التي كان يعرف أنها ستخضهوتفقده اتزانه : الجرس ، ولاقطة الباب النحاسية ، وخربشات أقلام الرصاص على الحائط،وصندوق الكهرباء ، والدرجة الرابعة المكسورة من وسطها ، وحاجز السلم المقوس الناعمالذي تنزلق عليه الكف، وشبابيك المصاطب ذات الحديد المتصالب ، والطابق الأول حيثكان يعيش محجوب السعدي ، وحيث كان الباب يظل مواربا دائما ، والأطفال يلعبون أمامالدار دائما ، ويملأون الدرج صراخا ، إلى الباب الخشبي المغلق ، المدهون حديثا ،والمغلق بإحكام .

وضع إصبعه على الدرج وهو يقول بصوت خافت لصفية :
-
غيروا الجرس
.
وسكت قليلا ثم تابع
:
-
والاسم طبعا
.

واغتصبابتسامة غبية ، وشد يده فوق يدها وأحس بها باردة ترتجف ، ووراء الباب سمعا صوتخطوات تجر نفسها ببطئ ، وقال لنفسه : شخص عجوز بلا شك ، وقرقع المزلاج بصوتمكتوم ، وببطء انفتح الباب.

ها هي ذي ، ليس يدري إن قال ذلك بصوت مسموع، أو قاله لنفسه كمن يتنفس الصعداء. ولكنه ظل واقفا مكانه لا يعرف ماذا يتوجب عليهأن يقول . ولام نفسه لكونه لم يحضر جملة يبدأ بها رغم أنه فكر طويلا في أن لحظةكهذه لا بد آتيه ، وتكرك في مكانه ناظرا إلى صفية كمن يستنجد . فتقدمت أم خالد خطوةإلى الأمام وقالت :
-
هل نستطيع أن ندخل؟
.

ولم تفهم المرأة العجوز ،السمينة بعض الشيء ،والقصيرة ، والتي كانت تلبس ثوبا أزرق منقطا بكريات بيضاء. فأخذسعيد يترجم إلى الإنكليزية ، وعندها انفرجت أسارير العجوز المتسائلة ، ووسعت منالطريق حتى دخلا ، ثم أخذت تسير أمامهما نحو غرفة الجلوس.

وتبعها سعيدوبجانبه صفية ، وبخطوات مترددة بطيئة ، وأخذا يميزان الأشياء بشيء من الدهشة . لقدبدا له المدخل أصغر قليلا مما تصوره وأكثر رطوبة واستطاع ان يرى أشياء كثيرةاعتبرها ذات يوم، وما يزال ، أشياءه الحميمة الخاصة التي تصورها دائما ملكية غامضةمقدسة لم يستطع أي كان أن يتعرف عليها أو أن يلمسها أو أن يراها حقا . ثمة صورةللقدس يتذكرها جيدا وما تزال معلقة حيث كانت ، حين كان يعيش هنا . وعلى الجدارالمقابل سجادة شامية صغيرة كانت دائما هناك أيضا.

وأخذ يخطو ناظرا حواليه ،مكتشفا الأمور شيئا فشيئا ، أو دفعة واحدة ، كمن يصحو من إغماء طويل . وحين صارا فيغرفة الجلوس ، استطاع أن يرى مقعدين من أصل خمسة مقاعد هما من الطقم الذي كان له . أما المقاعد الثلاثة الأخرى فقد كانت جديدة ، وبدت هناك فظة وغير متسقة مع الأثاث . وفي الوسط كانت الطاولة المرصعة بالصدف هي نفسها ، وإن كان لونهاقد صار باهتا ،وفوقها استبدلت المزهرية الزجاجية بأخرى مصنوعة من الخشب ، وفيها تكومت أعواد منريش الطاووس ، كان يعرف أنها سبعة أعواد . وحاول أن يعدها وهو جالس مكانه إلا أنهلم يستطع ، فقام واقترب

المزيد


عائد إلى حيفا - الجزء الثاني-

نوفمبر 5th, 2008 كتبها عربية نشر في , أدب

كانت السماء ناراتتدفق بأصوات رصاص وقنابل وقصف بعيد وقريب ، وكأنما هذه الأصوات نفسها كانت تدفعهمنحو الميناء . ورغم أنه كان غير قادر على التركيز على أيما أمر معين ، إلا أنه رأىكيف بدأ الزحام يتكاثف مع كل خطوة . كان الناس يتدفقون من الشوارع الفرعية نحو ذلكالشارع الرئيسي المتجه الى الميناء ، رجالا ونساء وأطفالا ، يحملون أشياء صغيره أولا يحملون ، يبكون أو يسبحون داخل ذلك الذهول الصارخ بصمت كسيح . وضاع بين أمواجالبشر المتدفقه وفقد القدرة على التحكم بخطواته . إنه ما يزال يذكر كيف أنه كانيتجه نحو البحر وكأنه محمول وسط الزحام الباكي، المذهول ، غير قادر على التفكير فيأي شيءء، وفي رأسه كان ثمة صورة واحده معلقة كأنما على جدار: زوجته صفية وابنهخلدون .

لقد مضت اللحظات بطيئة وقاسية وتبدو الآن مجرد كابوس ثقيل لا يصدق. اجتاز البوابة الحديدية للميناء حيث كان جنود بريطانيون يزجرون الناس، ومن هناك رأىأكوام البشر تتساقط فوق الزوارق الصغيرة المنتظرة في الماء قرب الرصيف ، ودون أنيعرف ماذا يجب عليه أن يفعل ، قرر ألا يصل الى الزوارق وفجأة –كمن أصيب بالجنون ،او كمن عاد اليه عقله دفعة واحدة بعد جنون طويل – استدار وسط الزحام ، وأخذ يدافعهمحاولا بكل ما فيه من قوة مستنزفة أن يشق طريقة وسطه ، عكسه ، نحو البوابة الحديدية .

مثل من يسبح ضد سيل هادر ينحدر من جبل شديد العلو أخذ سعيد يشق طريقةبكتفيه وذراعية وساقيه ورأسه . يجره التيار خطوات الى الوراء فيعود ويتقدم مندفعابشيء من الوحشية مثل حيوان طريد يشق طريقا مستحيلا في دغل كثيف متشابك . وفوقه كانالدخان والعويل ودوي القنابل وزخات الرصاص تمتزج أصواتها بالصراخ وهدير البحر وزحفالخطوات الضائعة وضرب المجاذيف سطح الموج

هل حقا مضى على ذلك كله عشرونسنة؟.

كان العرق يتصبب باردا على جبين سعيد وهو يقود سيارته صاعدا المنحدر . لقد حسب أنتلك الذاكرة لن تعود بهذا الصخب المجنون الذي لم يكن لها إلا لحظاتحدوثها. ومن طرفي عينيه نظر الى زوجته : كان وجهها مشدودا أميل الى الاصفرار وكانتعيناها تتدفقان بالدموع ، لا ريب أنها – قال لنفسه – تستعيد خطواتها ذلك اليوم ذاته، حين كان هو أقرب ما يكون الى البحر ، وكانت هي أقرب ما تكون الى الجبل ، وبينهمايمد الرعب والضياع خيوطهما غير المرئية ، فوق مستنقع من الصراخ والخوف والمجهول .

كانت-كما قالت له أكثر من مرة في السنوات الماضية – تفكر به . وحين دوىالرصاص وانطلق الناس يقولون أن الانكليز واليهود أخذوا يكتسحون حيفا ، راودها خوفيائس.

كانت تفكر به ، عندما جاءت أصوات الحرب من وسط المدينة حيث تعرف أنههناك . وكانت تشعر أنها أكثر أمنا ، فالتزمت البيت فترة، وحين طال غيابه ، هرعت الىالطريق دون أن تدري على وجه التحديد ما الذي كانت تريده . في البدء كانت تطل منالشباك ، ومن الشرفة . وكأنها شعرت الآن أن الأمر قد تغير تماما ، إذ بدأت النارتنهمر بغزارة ، بدءا من الظهر ، من التلال الواقعة فوق الحليصا . وأحست أنها محاصرةكليا ، وعندها فقط اخذت تعدو نازلة الدرج ، واندفعت على طول الطريق نحو الشارعالرئيسي، وكان استعجالها لرؤيته قادما يختصر خوفها عليه وقلقها من المصير المجهولالذي كان يحمل ألف احتمال مع كل رصاصة تطلق . وحين وصلت الى أول الطريق أخذت تراقبالسيارات المندفعه بسرعة ، وقادتها خطواتها من سياره الى أخرى ، ومن رجل الى آخر ،تسأل دون أن تحصل على جواب. وفجأه رأت نفسها في موج الناس ، يدفعونها ، وهم يندفعونمن شتى أرجاء المدينة ، في سيلهم العرم الجبار الذي لا يمكن رده ، كانها محمولة علىنهر متدفق مثل عود من القش.

كم مضى من الوقت قبل أن تتذكر أن خلدون الطفلما زال في سريره في الحليصا؟

ليست تتذكر تماما ، ولكنها تعرف أن قوة لاتصدق سمرتها في الأرض ، فيما أخذالسيل الذي لا ينتهي من الناس يمر حولها ويتدافععلى جانبي كتفيها وكأنها شجرة انبثقت فجأة في مجرى سيل هائل من الماء ، وارتدت هيالأخرى تدافع ذلك السيل بكل قوتها . وأمام عجزها وتعبها أخذت تصرخ بكل ما فيحنجرتها من قوة . ولم تكن كلماتها الطائرة في ذلك الزحام الذي لا ينتهي لتصل الى أيأذن . لقد رددت كلمة خلدون ألف مرة ، مليون مرة، وظلت شهورا بعد ذلك تحمل فيفمها

المزيد


عائد إلى حيفا - غسان كنفاني - الجزء الأول

نوفمبر 5th, 2008 كتبها عربية نشر في , أدب

حين وصل سعيد س. إلى مشارف حيفا ، قادما إليهابسيارته عن طريق القدس ، أحس أن شيئا ما ربط لسانه ، فالتزم الصمت ، وشعر بالأسىيتسلقه من الداخل .وللحظة واحدة راودته فكرة أن يرجع ، ودون أن ينظر إليها كان يعرفأنها آخذة بالبكاء الصامت ، وفجأة جاء صوت البحر، تماما كما كان . كلا ،لم تعد إليهالذاكرة شيئا فشيئا . بل انهالت في داخل رأسه ، كما يتساقط جدار من الحجارة ويتراكمبعضه فوق بعض. لقد جاءت الأمور والأحداث فجأة ، وأخذت تتساقط فوق بعضها وتملأ جسده . وقال لنفسه أن صفية زوجته ، تحس الشيء ذاته ، وأنها لذلك تبكي.
منذ أنغادر رام الله في الصباح لم يكف عن الكلام ، ولا هي كفت ، كانت الحقول تتسرب تحتنظرة عبر زجاج سيارته ، وكان الحر لا يطاق ، فقد أحس بجبهته تلتهب ، تماما كماالإسفلت يشتعل تحت عجلات سيارته ، وفوقه كانت الشمس ، شمس حزيران الرهيب ، تصب قارغضبها على الأرض

طوال الطريق كان يتكلم ويتكلم ويتكلم ، تحدث إلى زوجته عن كلشيء ، عن الحرب وعن الهزيمة وعن بوابة مندلبوم التي هدمتها الجرارات . وعن العدوالذي وصل إلى النهر والقناة ومشارف دمشق خلال ساعات . وعن وقف إطلاق النار والراديوونهب الجنود للأشياء والأثاث ، ومنع التجول ، وابن العم الذي في الكويت يأكله القلق، والجار الذي لم أغراضه وهرب ، والجنود الثلاثة الذين قاتلوا وحدهم يومين على تلهتقع قرب مستشفى أوغستا فكتوريا ، والرجال الذين خلعوا بزاتهم وقاتلوا في شوارعالقدس، والفلاح الذي أعدموه لحظة رأوه قرب أكبر فنادق رام الله . وتحدثت زوجته عنأمور كثيرة أخرى ، طوال الطريق لم يكفا عن الحديث. والآن ، حين وصلا إلى مدخل حيفا، صمتا معا ، واكتشفا في تلك اللحظة أنهما لم يتحدثا حرفا واحدا عن الأمر الذي جاءامن أجله
!

هذه هي حيفا إذن ، بعد عشرين سنة .

ظهر يوم الثلاثين منحزيران ، 1967 ، كانت سيارة الفيات الرماية التي تحمل رقما اردنيا أبيض تشقطريقها نحو الشمال ، عبر المرج الذي كان اسمه مرج بن عامر قبل عشرين سنة ، وتتسلقالطريق الساحلي نحو مدخل حيفا الجنوبي . وحين عبر الشارع ودخل إلى الطريق الرئيسيانهارت الجدار كله ، وضاعت الطريق وراء ستار من الدموع ، ووجد نفسه يقول لزوجته (صفية ):
-
هذه هي حيفا يا صفية
!

وأحس المقود ثقيلا بين قبضتيهاللتين أخذتا تنضحان العرق أكثر من ذي قبل ، وخطر له أن يقول لزوجته : إنني أعرفها، حيفا هذه ، ولكنها تنكرني ولكنه غير رأيه ، فقبل قليل فقط كانت فكرة قد خطرت لهوقالها لزوجته :
-
أتعرفين ؟ طوال عشرين سنة كنت أتصور أن بوابة مندلبوم ستفتحذات يوم …ولكن أبدا أبدا لم أتصور أنها ستفتح من الناحية الأخرى . لم يكن ذلك يخطرلي على بال ، ولذلك فحين فتحوها هم بدا لي الأمر مرعبا وسخيفا والى حد كبير مهيناتماما … قد أكون مجنونا لو قلت لك أن كل الأبواب يجب الا تفتح الا من جهة واحدة ،وإنها إذا فتحت من الجهة الأخرى فيجب اعتبارها مغلقة لا تزال ، ولكن تلك هي الحقيقة
.
والتفت إلى زوجته ، إلا أنها لم تكن تسمع ، كانت منصرمة إلى التحديق نحوالطريق : تارة إلى اليمين حيث كانت المزارع تمتد على مدى البصر وتارة إلى اليسارحيث كان البحر ، الذي ظل بعيدا أكثر من عشرين سنة ، يهدر على القرب . وقالت فجاءة
:
-
لم أكن أتصور أبدا أنني سأراها مرة أخرى
.

وقال :
-
أنت لاترينها ، إنهم يرونها لك
.

وعندها فقدت أعصابها ، كان ذلك يحدث للمرةالأولى . وصاحت فجاءة :
-
ما هذه الفلسفة التي لم تكف عنها طوال النهار؟الأبواب والرؤيا وأمور أخرى ، ماذا حدث لك ؟
.
-
ماذا حدث لي؟
.
قالهالنفسه وهو يرتجف، ولكنه تحكم بأعصابه وعاد يقول لها بهدوء
:
-
لقد فتحواالحدود فور أن أنهوا الاحتلال فجأة وفورا، لم يحدث ذلك في أي حرب في التاريخ ،أتعرفين الشيء الفاجع الذي حدث في نيسان 1948 ، والآن ، بعد لماذا؟ لسواد عينيكوعيني؟ . لا . ذلك جزء من الحرب . إنهم يقولون لنا: تفضلوا انظروا كي

المزيد


السابق




<!-- End W3Counter Tracking Code-->