تردد سعيد.س هنيهة فقط وهو يطفئ محرك سيارته ،ولكنه كان يعرف في أعماقه أنه لو ترك نفسه يتردد فترة أطول لانتهى الأمر، ولعادفحرك سيارته عائدا أدراجه . وهكذا جعل الأمر ، لنفسه ولزوجته ، يبدو طبيعيا للغاية. كما لو أن العشرين سنة الماضية وضعت بين مكبسين جبارين وسحقت حتى صارت ورقه شفافةلا تكاد ترى. نزل من السيارة وصفق وراءه بابها ، وأخذ يرفع حزامه وهو ينظر نحوالشرفة تاركا المفاتيح تخشخش في راحته دونما اكتراث.
ودارت زوجته حولالسيارة ووقفت إلى جانبه ، إلا أنها لم تكن بارعة مثله. أمسك بذراعها ، وأخذ يقطعبها الشارع: الرصيف ، البوابة الحديدية الخضراء، الدرج.
وبدآ يصعدان ، دونأن يترك لنفسه أو لها فرصة النظر إلى الأشياء الصغيرة التي كان يعرف أنها ستخضهوتفقده اتزانه : الجرس ، ولاقطة الباب النحاسية ، وخربشات أقلام الرصاص على الحائط،وصندوق الكهرباء ، والدرجة الرابعة المكسورة من وسطها ، وحاجز السلم المقوس الناعمالذي تنزلق عليه الكف، وشبابيك المصاطب ذات الحديد المتصالب ، والطابق الأول حيثكان يعيش محجوب السعدي ، وحيث كان الباب يظل مواربا دائما ، والأطفال يلعبون أمامالدار دائما ، ويملأون الدرج صراخا ، إلى الباب الخشبي المغلق ، المدهون حديثا ،والمغلق بإحكام .
وضع إصبعه على الدرج وهو يقول بصوت خافت لصفية :
- غيروا الجرس .
وسكت قليلا ثم تابع :
- والاسم طبعا .
واغتصبابتسامة غبية ، وشد يده فوق يدها وأحس بها باردة ترتجف ، ووراء الباب سمعا صوتخطوات تجر نفسها ببطئ ، وقال لنفسه : شخص عجوز بلا شك ، وقرقع المزلاج بصوتمكتوم ، وببطء انفتح الباب.
ها هي ذي ، ليس يدري إن قال ذلك بصوت مسموع، أو قاله لنفسه كمن يتنفس الصعداء. ولكنه ظل واقفا مكانه لا يعرف ماذا يتوجب عليهأن يقول . ولام نفسه لكونه لم يحضر جملة يبدأ بها رغم أنه فكر طويلا في أن لحظةكهذه لا بد آتيه ، وتكرك في مكانه ناظرا إلى صفية كمن يستنجد . فتقدمت أم خالد خطوةإلى الأمام وقالت :
- هل نستطيع أن ندخل؟ .
ولم تفهم المرأة العجوز ،السمينة بعض الشيء ،والقصيرة ، والتي كانت تلبس ثوبا أزرق منقطا بكريات بيضاء. فأخذسعيد يترجم إلى الإنكليزية ، وعندها انفرجت أسارير العجوز المتسائلة ، ووسعت منالطريق حتى دخلا ، ثم أخذت تسير أمامهما نحو غرفة الجلوس.
وتبعها سعيدوبجانبه صفية ، وبخطوات مترددة بطيئة ، وأخذا يميزان الأشياء بشيء من الدهشة . لقدبدا له المدخل أصغر قليلا مما تصوره وأكثر رطوبة واستطاع ان يرى أشياء كثيرةاعتبرها ذات يوم، وما يزال ، أشياءه الحميمة الخاصة التي تصورها دائما ملكية غامضةمقدسة لم يستطع أي كان أن يتعرف عليها أو أن يلمسها أو أن يراها حقا . ثمة صورةللقدس يتذكرها جيدا وما تزال معلقة حيث كانت ، حين كان يعيش هنا . وعلى الجدارالمقابل سجادة شامية صغيرة كانت دائما هناك أيضا.
وأخذ يخطو ناظرا حواليه ،مكتشفا الأمور شيئا فشيئا ، أو دفعة واحدة ، كمن يصحو من إغماء طويل . وحين صارا فيغرفة الجلوس ، استطاع أن يرى مقعدين من أصل خمسة مقاعد هما من الطقم الذي كان له . أما المقاعد الثلاثة الأخرى فقد كانت جديدة ، وبدت هناك فظة وغير متسقة مع الأثاث . وفي الوسط كانت الطاولة المرصعة بالصدف هي نفسها ، وإن كان لونهاقد صار باهتا ،وفوقها استبدلت المزهرية الزجاجية بأخرى مصنوعة من الخشب ، وفيها تكومت أعواد منريش الطاووس ، كان يعرف أنها سبعة أعواد . وحاول أن يعدها وهو جالس مكانه إلا أنهلم يستطع ، فقام واقترب













