محمود المبارك
المتأمل في بنود الاتفاق الأمني المزمع توقيعه بين العراق والولايات المتحدة لا يملك سوى أن يخلص إلى أنه اتفاق احتلال من الطراز الأول.
ولكن قبل الخوض في التفاصيل القانونية لهذا الاتفاق، لعله من المفيد الإشارة إلى أمرين مهمين: الأمر الأول أن تاريخنا كأمة عربية في التعامل مع فهم القانون الدولي المعاصر، تاريخ مخجل! ذلك أننا خسرنا معاركنا القانونية الدولية مراراً بسبب سوء فهم القانون الدولي. ولعل أوضح شاهد على ذلك قرار مجلس الأمن 242 (1973) الذي خلص إلى وجوب انسحاب إسرائيلي من أراض عربية احتلت خلال حرب 1967، في حين زعم الممثلون العرب في الأمم المتحدة أنهم اطلعوا على النسخة العربية (التي لم تكن لغة رسمية في الأمم المتحدة آنذاك!) ونصت على انسحاب إسرائيلي من الأراضي العربية. ولا نزال حتى اليوم نعاني من هذا الخطأ الفادح.
مثل ذلك أيضاً، الخطأ الذي وقع فيه الفلسطينيون عند توقيع اتفاق أوسلو مع نظرائهم الإسرائيليين، حين استبشر الوفد الفلسطيني بزعامة ياسر عرفات بوجود مادة في ذلك الاتفاق، تجيز إعلان الدولة الفلسطينية بحلول ربيع عام 1998، ولكن فات الوفد الفلسطيني - الذي خلا من حقوقيين دوليين - الشروط التي عُلق بها ذلك الإعلان، ومنها القضاء على الإرهاب وهو أمر لا يمكن التسليم به، وبسببه تذرعت إسرائيل بعدم السماح بإعلان الدولة الفلسطينية في الوقت المعلوم.
الأمر الآخر هو أن الاتفاق الذي تزعم واشنطن توقيعه مع بغداد، والمعروف من الجانب الأميركي بـ SOFA اختصاراً للاسم Status of Forces Agreement، ليس معاهدة دولية وإنما هو اتفاق دولي. والفرق بين المصطلحين أن الأول في القانون الأميركي يتطلب موافقة الكونغرس بشقيه، مجلس الشيوخ ومجلس النواب، ومن ثم تصديق الرئيس، وبهذا تكون للمعاهدة قوة قانونية ملزمة تأتي بعد الدستور، وأما الاتفاق فلا يتطلب سوى توقيع الرئيس ولا يتوجب الالتزام به داخلياً، إذا لم تقره الجهة التشريعية في البلاد.
ومن هاتين النقطتين تتجلى نتيجتان مهمتان: الأولى أن هذا الاتفاق الأمني، وإن حددت بداية عام 2011 لسحب آخر جندي أميركي من العراق، إلا أنه ينطوي على شروط. منها أن أي انسحاب لن يتم إلا بعد أن تضمن القوات الأميركية استقرار الوضع الأمني داخل العراق، وهي حجة قد تتذرع بها أي إدارة مستقبلية للبقاء في العراق. النتيجة الأخرى أن هذا الاتفاق الأمني كونه اتفاقاً أقره الرئيس، وليس معاهدة صادق عليها المجلس التش
المزيد